أبي محمد القاسم بن علي الحريري البصري
29
مقامات الحريري ( المقامات الأدبية )
وأبت تصديق دعوته ، فتوجّس « 1 » ما هجس « 2 » في أفكارهم ، وفطن « 3 » لما بطن « 4 » من استنكارهم . وحاذر « 5 » أن يفرط « 6 » إليه ذمّ ، أو يلحقه وصم . فقرأ إنّ بعض الظّنّ « 7 » إثم ، ثمّ قال : يا رواة القريض « 8 » ، وأساة « 9 » القول المريض ، إنّ خلاصة الجوهر « 10 » تظهر بالسّبك ، ويد الحقّ تصدع رداء الشّكّ « 11 » . وقد قيل فيما غبر « 12 » من الزّمان ، عند الامتحان « 13 » ، يكرم الرّجل أو يهان . وها أنا قد عرّضت خبيئتي « 14 » للاختبار ، وعرضت حقيبتي « 15 » على الاعتبار . فابتدر أحد من حضر ، وقال : أعرف بيتا لم ينسج « 16 » على منواله « 17 » ولا سمحت قريحة بمثاله . فإن آثرت اختلاب « 18 » القلوب ، فانظم على هذا الأسلوب . وأنشد « 19 » . فأمطرت لؤلؤا من نرجس وسقت * وردا وعضّت على العنّاب بالبرد « 20 »
--> ( 1 ) أي علم بالدليل والتفرس . ( 2 ) خطر . ( 3 ) أي تنبّه وعلم . ( 4 ) خفي . ( 5 ) أي خاف . ( 6 ) يسبق . ( 7 ) بعض قد تستعمل بمعنى كل في مثل قوله تعالى لِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي . ( 8 ) هو الشعر والمدح . ( 9 ) جمع آس وهو الطبيب وأراد بالقول المريض مقابل الصحيح كأنه يقول يا أصحاب العلم بصحيح الكلام وفاسده . ( 10 ) هو هنا ما كان من معدن مثل الذهب وخلاصته خالصه والسبك الإذابة ومعناه أن حقيقة الأمر تظهر بالاختبار . ( 11 ) جعل للحق يدا وللشك رداء على طريق المثل وتصدع أي تشق ومعناه أن الحق يكشف عن الشك ويزيل لبسه . ( 12 ) يقال غبر لما مضى من الزمان وما بقي وهاهنا لما مضى خاصة . ( 13 ) الاختبار . ( 14 ) أي مستوري . ( 15 ) الحقيبة وعاء من أدم يجعله الراكب خلفه ومعناه عرضت ما عندي على اعتباركم فاعتبروا . ( 16 ) النسج ضم الشيء إلى الشيء وتلفيقه ونسج الشعر أنشأه يعني لم ينشأ بيت مثله . ( 17 ) المنوال بالكسر العود الذي يلف عليه الحائك النسيج . ( 18 ) بالخاء المعجمة أي إمالتها ومنه مخلب الطائر وهو كالظفر للإنسان لأنه يخلب الشيء أي ينزعه ويميله والخلابة من هذا الباب . ( 19 ) أي أحد من حضر والبيت لأبي الفرج الوأواء الدمشقي وقبله هذا البيت : قلنا وقد فتكت فينا لواحظها * كم ذا أما لقتل الحب من قود ( 20 ) شبه الدمع باللؤلؤ والعين بالنرجس والوجنات بالورد والأنامل المخضوبة بالعناب والثنايا بالبرد .